القرطبي

252

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ) أي لا تفرطوا كما أفرطت اليهود والنصارى في عيسى ، غلو اليهود قولهم في عيسى ، ليس ولد رشدة ( 1 ) ، وغلو النصارى قولهم : إنه إله . والغلو مجاوزة الحد ، وقد تقدم في ( النساء ) ( 2 ) بيانه . قوله تعالى : ( ولا تتبعوا أهواء قوم ) الأهواء جمع هوى وقد تقدم في ( البقرة ) ( 3 ) . وسمي الهوى هوى لأنه يهوى بصاحبه في النار . " قد ضلوا من قبل " قال مجاهد والحسن : يعني اليهود . ( وأضلوا كثيرا ) أي أضلوا كثيرا من الناس . ( وضلوا عن سواء السبيل ) أي عن قصد طريق محمد صلى الله عليه وسلم . وتكرير ضلوا على معنى أنهم ضلوا من قبل وضلوا من بعد ، والمراد الأسلاف الذين سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى . قوله تعالى : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ( 78 ) قوله تعالى : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ) فيه مسألة واحدة : وهي جواز لعن الكافرين وإن كانوا من أولاد الأنبياء . وأن شرف النسب لا يمنع إطلاق اللعنة في حقهم . ومعنى " على لسان داود وعيسى بن مريم " أي لعنوا في الزبور والإنجيل ، فإن الزبور لسان داود ، والإنجيل لسان عيسى أي لعنهم الله في الكتابين . وقد تقدم اشتقاقهما . قال مجاهد وقتادة وغيرهما . لعنهم مسخهم قردة وخنازير . قال أبو مالك : الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة . والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير . وقال ابن عباس : الذين لعنوا على لسان داود أصحاب السبت ، والذين لعنوا على لسان عيسى الذين كفروا بالمائدة بعد نزولها . وروي نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : لعن الأسلاف والأخلاف ممن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم على لسان داود وعيسى ، لأنهما أعلما أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مبعوث فلعنا من يكفر به .

--> ( 1 ) ولد رشدة ( بكسر الراء وقد تفتح ) : أي ولد نكاح . ( 2 ) راجع ص 21 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 2 ص 24 وما بعدها .